بني وليد .. في الواجهة مرة أخرى

 

في مقال سابق عنونته ب "قبل أن تسرق الثورة" ذكرت فيه أن هذا التباطؤ المريب لتشكيل الجيش الوطني، وهذا الغياب المخيف للقضاء سيشكلان معاً ظرفاً مناسباً لاقتناص ثورة هذا الشعب والسطو عليها بشكل أو بآخر، وإن كنا ندرك بأن أي منهما مرتبط بالآخر. فظهور القضاء مرتبط باستتباب الأمن وتشكيل القوة التنفيذية للأحكام القضائية وحمايتها، وهو ما يصل بنا لملف الجيش الوطني وسؤالنا عن تعثره بعد تعيين رئيس الأركان وبطء السير في الخطط الموضوعة والمعلن عنها لضم المقاتلين من الثوار لصفوفه. وعلى ذات الوتيرة تقريباً نلحظ نفس النمط فيما يتعلق بانضمامهم للشرطة والداخلية عموماً، ألا يستوعب القائمون على هذه البرامج أن التأخير فيها قد يتسبب بسقوط عدد من القتلى أو الجرحى بسبب فوضى هنا أو هناك، فمن سيتحمل وزر كل ذلك؟.

تظهر مدينة بني وليد مرة أخرى على السطح بشكل لا يبدو مريحاً. فالمرة الأولى كانت مع ما حدث مع سوق الجمعة في واقعة راح ضحيتها عشرات من ثوارها بطريقة لفها الكثير من الغموض. وهذه المرة كانت الانقضاضه على أفراد كتيبة 28 مايو في توقيت حُدد برسائل تداولونها فيما بينهم، رغم أن للحكومة روايتها المختلفة تماماً. ولسنا نفهم حقيقة ما هو السر وراء إصرار الحكومة على فرض روايتها، في الوقت الذي يفندها رئيس المجلس المحلي لبني وليد وآخرون مما شهدوا الواقعة، دون أن توفر الحجة المقنعة لذلك. ولماذا تصر على دفن رأسها بالرمل وترفض سيناريو وجود مؤيدو القذافي بالمدينة وهو ما ليس بمستغرب في مدينة كبني وليد. وفي المقابل يجمع من أجريت معهم اللقاءات التلفزيونية ممن يحسبون على هذه المدينة أنه لا وجود لأزلام القذافي دون توضيحٍ شافٍ عن ماهية الأشخاص الذين حاصروا كتيبة 28 مايو وهاجموا المجلس المحلي للمدينة وكانوا بصدد التوجه لمنطقة السدادة حيث المقر الرئيسي لكتيبة 28 مايو لولا سماعهم بالحشود على مشارف مدينة مصراتة وتلك المتوجهة من طرابلس. وما نريد قوله هنا، هو إذا كانت هذه عبارة عن خلافات قبلية كما تروج لها الحكومة ووزير الدفاع فما الذي يجبر المجلس المحلي والعسكري على مغادرة المدينة واللجوء لمصراتة؟، كان من الأولى لهم التدخل لفض هذا النزاع دونما قلق يعتريهم. ثم هل ينتج عن النزاع القبلي مفقودون ومخطوفون رجالاً ونساءً؟. ولماذا تظهر هذه البلبلة بالتزامن في وقت تحصل فيه اشتباكات مسلحة في سبها، وإطلاق نار عشوائي في بنغازي، وفوضى في ترهونة، وضبط لخلية كانت تعد لأعمال شغب في طرابلس، وتنشر فيه صور لسيف القذافي في الفيس بوك وهو يتناول مأدبة غذاء (على ما يبدو) مع نفر تعلو وجوههم ابتسامات غريبة في مكان يبدو أنه منزل أحدهم. فيا ترى هل سأله أحدهم ما إذا حظي أحد من سجناء بو سليم بمثل هذه المعاملة أيام والده المقبور.

وإذا ما أردنا وضع النقاط على الحروف، فإنه قد يكون بالفعل لا وجود لأزلام النظام السابق بالمعنى الحرفي للكلمة، ولكن مجرد رفع الراية الخضراء هو فعل يوقع فاعله تحت تلك الزمرة وإن لم يرد بفعلته سوى النكاية بمن ينتمون لكتيبة 28 مايو التي يشكلها ثوار المدينة في الغالب. ثم أن معظم من تحرك وأعطى تعليماته بساعة الصفر للانقضاض على كتيبة 28 مايو كانوا ممن عرفوا بولائهم للنظام السابق ولهم أيادٍ سوداء في بنغازي واجدابيا خلال الأيام الأولى من عمر هذه الثورة. ومنهم أسماء ذكرت في وقائع مشابهة في ترهونة قبل أيام حينما رفعت فيها الرايات الخضر مثل سالم الواعر وغيره، ثم نفاجأ بظهوره على شاشات التلفاز لينفي ما حدث جملة وتفصيلاً، مما يضع في الأذهان آلاف الأسئلة عن حقيقة تلك المكالمات التي قيل أنها رصدت بين هذا الواعر وأسامة جويلي، وأخرى بين الواعر وبين حفتر. ولا يمتاز هؤلاء سوى بالقدرة الفائقة على التلون في الوقت المناسب عندما انزلوا راياتهم ورفعوا أعلام الاستقلال وكتبوا على سيارتهم عبارة (الجيش الوطني) ليأتوا بالجويلي ليقول جوهرته الثمينة أن الوضع آمن في بنى وليد. فهؤلاء يدركون تماماً أن ما كان لن يكون، ولكنها رسالة مفادها أننا هنا ولازلنا نؤثر بشكل أو بآخر مما يجبر هذه الحكومة الركيكة على أخذ هذا بعين الاعتبار وهو ما تم بالفعل مقابل التهدئة ورفع أعلام الاستقلال ليكون لهم موطئ قدم في مجلس المدينة، وهو ما قد يشفع لهم حيال ما اقترفوه نحو المدن الأخرى على الأقل في هذه الفترة الحرجة. ونتيجة لذلك كان لا بد للوضع أن يهدأ بعد أن غاب أي وجود للثوار في بني وليد إلا ممن أغلق عليه بابه، وصارت ساحات المدينة وشوارعها مرتعاً لمن قتلوا أبنائهم بالأمس في مدرسة لأنهم ساندوا ثورة 17 فبراير جهاراً نهاراً. ولا بد للأمر أن يستقر بعدما صار صاحب الأمر في المدينة هو نفس الشخص الذي كان بالأمس يجول بسيارته أمام منازل الثوار ليسمعهم تراهات شاكير وتفاهات حمزة عبر مسجلها، وهو ما شجع كل الفارين منها والقابعين في شعاب أوديتها وعلى جبالها بالنزول للمدينة من جديد. ولذا فإن موضوع بني وليد لم ينتهِ بعد، بل سيكون له ما بعده، بعد أن خذلت الحكومة ووزير دفاعها وداخليتها الثوار بعد مناشدتهم لها بالتدخل لفك الحصار عنهم. وما يؤكد هذا هو استمرار خروج سيارات الاستطلاع من بني وليد باتجاه السدادة حتى يوم الأمس الخميس، والتي تعود أدراجها بمجرد رؤيتها لحشود الثوار من بعيد، مما يوحي بأن كلمتهم باتت قريبة.

حدث كهذا إذا ما انتهى على هذه الشاكلة، لا شك بأنه سيطمع أفراداً آخرين بفعل مماثل في غايته، وسيشجع غيرهم في التأهب للسطو على هذه الثورة وسرقتها تحت عناوين وشعارات لن يكون من الصعب اختلاقها في ظل استمرار وضع العثرة تلو الأخرى أمام تفعيل القضاء والنيابة والشرطة، وهو ما يعتبر عرضاً سخياً للطامعين في هذه الثورة للنيل منها.

والله المستعان

للتواصل: nidal_762003@yahoo.com

نضال الشركسي