السياسة الخارجية الليبية في ظل انقلاب 1969

 التحولات في الأهداف والآليات

تميزت السياسة الخارجية الليبية اثر انقلاب عام 1969 بالتحول وعدم الثبات بحيث يمكن التمييز بين مراحل مختلفة للسياسة الخارجية كل واحدة منها تختلف عن الاخرى من حيث التوجهات والأهداف والأولويات ، فمن يمين الوسط الى اقصى اليسار، ومن مناهضة الشيوعية الى التحالف مع الاتحاد السوفييتي وتبني مواقف اليسار الجديد ومعاداة الامبريالية ومناصرة قضايا وحركات التحرر، ثم عودة لتطبيع العلاقات مع الغرب وتوثيق العلاقات مع الولايات المتحدة الامريكية والتعاون لمكافحة الارهاب الدولي . وكانت السياسة الخارجية الليبية في كثير من مواقفها وتوجهاتها تتقلب بتقلبات مزاج قائد الانقلاب وردود افعاله .

العوائد النفطية الضخمة كانت المحرك الرئيس لتطلعات رأس انقلاب 69 للزعامة العربية وخلافة الرئيس جمال عبد الناصر و تطلعاته للزعامة الأفريقية والأممية وغيرها من أوهام جنون العظمة . وقد لعب العامل الاقتصادي الدور الحاسم في تهيئة المناخ الملائم للقذافي ليتمدد سياسيا وأحيانا عسكريا ضمن الجوار العربي والإطار الافريقي ، وظل العامل الاقتصادي الى وقت متأخر من عمر رأس الانقلاب على انه الحافز لعقد التحالفات والشراكات والصفقات معه من جانب الاتحاد الروسي والصين ودول الاتحاد الأوروبي .

وقد لعبت عائدات النفط الليبية أو البترودولارات  دورا مؤثرا وفاعلا في رسم و تنفيذ أهداف السياسة الخارجية الليبية سواء عن طريق عقد الصفقات الضخمة للسلاح مع جمهوريات الاتحاد السوفييتي وفرنسا والصين في مرحلة سابقة ، أو بتمويل وتسليح وتبني حركات وجماعات يسارية وإرهابية خلال مرحلة الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي ، أو بتقديم المساعدات والتوظيف السياسي للأموال الليبية في افريقيا واسيا وأمريكا اللاتينية  لتنفيذ مخططات وتطلعات رأس الهرم للزعامة خارج حدود ليبيا الجغرافية  .

اسلوب الضغط الاقتصادي المباشر لاسيما على دول الجوار العربي والأفريقي  من ابرز ادوات السياسة الخارجية لانقلاب 69 وذلك باستخدام ورقة الأيدي العاملة والمساعدات الاقتصادية . والذي يلفت الانتباه في سياسته للمساعدة الاقتصادية انها لا تقدم بشكل مدروس وعلى هيئة مساعدات انمائية رسمية وإنما تقدم بشكل مباشر الى رؤساء الدول والحكومات .

اختلاق وتصدير الأزمات للدول الافريقية كانت احدى ادواته لتنفيذ اهداف سياسته الخارجية وذلك عن طريق التدخل كوسيط او لاعب رئيس لحل هذه الأزمات .

ازدواجية آليات تنفيذ السياسة الخارجية /  بداية كان اعتماد السياسة الخارجية الليبية - في ظل انقلاب 1969 - في تنفيذ اهدافها على ادوات الدبلوماسية التقليدية وهي وزارة الخارجية والسفارات والقنصليات والبعثات الدبلوماسية. وفي مرحلة لاحقة لعبت ادوات جديدة ادوارا موازية في تنفيذ السياسة الخارجية والتوجهات الجديدة كان على رأسها مكتب الاتصال الخارجي برئاسة احمد الشحاتي ، واللجنة الشعبية للاتصال الخارجي والتعاون الدولي ، والمكاتب الشعبية . وقد لعبت الدور الرئيس في تنفيذ اهداف السياسة الخارجية ومتابعة شئون العلاقات الليبية الخارجية ابتداء من عام 1980 والى حين انهيار حكم الطاغية القذافي إثر انتفاضة 17 فبراير المجيدة. ولعبت اللجان والمكاتب الشعبية هذا الدور باعتبارها الادوات والقنوات الرسمية للدولة التي أوكلت لها وظيفة تمثيل ليبيا لدى الدول التي تقيم معها علاقات دبلوماسية او قنصلية ومهمة التعاطي مع الشأن الخارجي الليبي بديلا عن الادوات و القنوات الدبلوماسية وخلافا للقانون الدبلوماسي والقنصلي الدولي وبخاصة اتفاقيتي فيينا للعلاقات الدبلوماسية والقنصلية وذلك في ممارسة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات بين الدول ومنافية لكل المواثيق والأعراف الدولية ومبادئ وأحكام القانون الدولي .

وقد اتسمت آليات تنفيذ السياسة الخارجية الليبية في تلك الحقبة بالازدواجية حيث لعب مكتب الاتصال باللجان الثورية الدور غير الرسمي في تنفيذ الاهداف والمخططات غير المعلنة لسياسات القذافي الخارجية خلال العقد الاخير من مرحلة الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي ولاسيما خلال الفترة من 1980 الى 2000. ويمكن توصيف السياسة الخارجية الليبية في تلك المرحلة بأنها سياسة عدائية تصادمية في اطار ما عرف حينها بالمد الثوري أو تصدير الثورة ، جعلت من معاداة ما كان يطلق عليها النظم الرجعية والعميلة والامبريالية شعارها ، وسعت الى زعزعة استقرار وامن الحكومات والنظم المعادية لها .

تحول في التحالفات والسلاح مقابل عائدات النفط  /

 خلال تلك المرحلة تحول عدو الامس الاتحاد السوفييتي الى حليف استراتيجي والمصدر الرئيس للتسليح لآلة القذافي العسكرية التي خاض بها الجيش الليبي ثلاثة حروب خاسرة ضد جيران ليبيا في تشاد وأوغندا ومصر ، وساند ومول محاولات انقلابية في العديد من الدول العربية والأفريقية من بينها السودان والمغرب و تونس.

وكانت السياسة الخارجية الليبية منذ انقلاب عام 1969  قد تبنت توجهات معادية للشيوعية وللسياسة السوفييتية والتواجد السوفييتي في منطقة البحر الابيض المتوسط وفي المنطقة العربية ، وبعد ها جاءت مرحلة جديدة من التقارب والتفاهم الليبي السوفييتي تلبية لتطلعات القذافي للزعامة خارج الحدود الوطنية وخدمة للنفوذ والمصالح السوفييتية في منطقة البحر الابيض المتوسط .

 في هذا الاطار العام من التفاهم الليبي السوفييتي القائم على(مداخيل النفط الليبي مقابل السلاح السوفييتي) اندفع القذافي شرقا وغربا وشمالا وجنوبا في مغامراته العسكرية وملاحقة خصومه خارج الحدود ومؤامراته الانقلابية ومخططاته للزعامة العربية فالأفريقية والأممية . وشكل هدف ملاحقة معارضيه خارج الحدود دافعا ومحركا رئيسيا وراء توجهاته الخارجية ، وكان التغير الذي طرأ على علاقاته السياسية بالمملكة المغربية وبموقفه تجاه قضية الصحراء الغربية اثر تسليم الملك الحسن الثاني للمنشق السياسي الليبي عمر المحيشي خير دليل على هذا النمط من السلوك السياسي والميكيافلية التي كانت احدى ثوابت السياسة الخارجية للقذافي .

وغني عن القول ان القذافي وحده صانع السياسة الخارجية الليبية طيلة العقود الاربعة الماضية ، ولم يكن مؤتمر الشعب العام سوى اداة لصياغة وكتابة ما يمليه عليه القذافي شخصيا - وليس المؤتمرات الشعبية - من توجيهات وتوصيات في الشئون الخارجية .

السياسة الدولية والدور السياسي والعسكري الليبي

يمكن القول بان السياسات الدولية السوفيتية - الامريكية  كانت عامل مساعد للمضي قدما في تنفيذ اهداف السياسة الخارجية الليبية لانقلاب 69 خاصة في افريقيا والشرق الاوسط في ظل تبادل للمصالح الاقتصادية والسياسية وتناغم في الأهداف الأمنية الاستراتيجية .

وقد شكل الدور الليبي المنغص للنفوذ الفرنسي في افريقيا خاصة في تشاد ووسط افريقيا أحد أبرز عوامل القبول الامريكي للسياسة الليبية تجاه افريقيا ، الى جانب سياسة ضخ الأموال والمساعدات الاقتصادية لبعض البلدان الافريقية خدمة بالوكالة لأهداف السياسة الخارجية الامريكية في افريقيا . كما ان الدور الليبي المنغص للسياسة المصرية في عهد الرئيس السادات قبل وبعد حرب اكتوبر عام 1973 كان من بين العناصر الايجابية للمصالح الامريكية في منطقة الشرق الاوسط ، والتي لاقت استحسانا وتشجيعا من قبل اللوبي الصهيوني الامريكي . ويتمثل العامل الحاسم المؤثر لصالح اهداف السياسة الخارجية الامريكية - في الدور السلبي الذي لعبه القذافي تجاه القضية الفلسطينية من خلال تدخلاته السافرة في شئون المقاومة الفلسطينية ، ودعم الفصائل المتطرفة منها لتنفيذ أعمال إرهابية تخريبية أساءت للقضية ، ومحاولات فرض توجهاته على منظمة التحرير وقيادتها ، وتدخله العسكري في شئون المقاومة الفلسطينية - اللبنانية والذي ساهم في ضرب وتفتيت المقاومة الفلسطينية وإخراجها من لبنان .

مكتب اللجان ودوره في تنفيذ السياسة الخارجية

لعب مكتب الاتصال باللجان الثورية دورا مركزيا في تنفيذ سياسة القذافي الخارجية المتعلقة بدعم وإدارة شئون الاتصال بالحركات الانفصالية والجماعات المسلحة والأحزاب والحركات السياسية والعسكرية المناهضة لنظم الحكم التي توصف في ادبيات فكر اللجان الثورية بأنها رجعية ومعادية للثورة في العالم .

وخلال العقد الاخير من مرحلة الحرب الباردة شكلت المانيا الديمقراطية الملاذ الآمن والساحة الرئيسة لعناصر اللجان الثورية وفرق الاغتيالات التابعة للقذافي  في اوروبا . وهيأت برلين الشرقية بحكم موقعها الجيوسياسي الفاصل بين هذين المعسكرين مركزا متقدما لعملياته السرية في وسط أوروبا خلال الثمانينيات ، وكانت الصداقة والمصالح المتبادلة بين النظم الشيوعية في اوروبا الشرقية وبقية النظم الشمولية ومن بينها ليبيا والتعاون بين أجهزة مخابراتها قد اتاحت هامشا كبيرا من حرية الحركة لعناصر اللجان الثورية في وسط أوروبا خلال الفترة التي شهدت تعاظم نفوذ الاتحاد السوفييتي ودعمه ومساندته لسياسات المد الثوري وتصدير الثورات التي انتهجتها النظم الشمولية والشيوعية في العالم .

كما اتخذت اللجان الثورية من المكاتب الشعبية لاسيما في برلين الشرقية  و فيينا  وبون  بحكم الموقع الجيوسياسي للعواصم الثلاثة في قلب القارة الاوروبية مراكز لتجميع وانطلاق عناصرها وعملاؤها من فرق الاغتيالات وعناصر الاسناد لمطاردة اهدافها من الطلبة والمعارضين الليبيين في عموم اوروبا . وقد سخر القذافي امكانيات الدولة ومواردها المادية والفنية والبشرية لتسهيل مهام اللجان الثورية ، فتم توظيف العائدات النفطية ، وتوريط السفارات الليبية التي استولت عليها اللجان الشعبية بقيادة عناصر من اللجان الثورية لخدمة مخططات القذافي وفي مقدمها ملاحقة الوطنيين الليبيين الذين صنفوا على انهم اعداء الثورة وتقرر تصفيتهم في الخارج .

مراجعة اهداف وأولويات السياسة الخارجية

وبانهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومته الشيوعية وانفراد الولايات المتحدة الامريكية بزعامة العالم كقطب وحيد في السياسة الدولية خلال التسعينيات افتقدت بقية النظم الشمولية وعلى رأسها ليبيا مظلة الحماية السوفييتية ، وتحت تهديد العصا الامريكية الغليظة أجرى القذافي مراجعة شاملة لسياساته وشعاراته الديماغوجيه وكان من اولويات هذه المراجعة تقليص دور اللجان الثورية وتجميد نشاطها في اوروبا والعالم ، وهي المرحلة التي شهدت رضوخ القذافي لشروط الادارة الامريكية الجمهورية بزعامة جورج بوش وفي مقدمها تعهده بنبذ سياسة الارهاب ، والتعاون الاستخباراتي مع المخابرات الامريكية والأوروبية في مكافحة الارهاب الدولي . وخلال هذه المرحلة انكفأت اللجان الثورية على نفسها داخل ليبيا لفترة من الزمن . وعادت بعد اعادة تنظيم وترتيب اولوياتها الى ممارسة نشاطها الخارجي في الاستثمارات الخارجية وتوظيف المال السياسي . وتحكمت قياداتها في جميع مفاصل الدولة الليبية ، في الاجهزة الامنية ، وفي المؤسسات السيادية والخدمية ، وتولت الحقائب الوزارية الهامة طيلة العقود الثلاثة الماضية .

الهجرة غير الشرعية

استخدم القذافي الهجرة غير الشرعية أداة للضغط على الاتحاد الاوروبي لا سيما ايطاليا . وقد شكلت تدفقات المهاجرين غير الشرعيين من شواطئ ليبيا الى جزيرة لامبيدوزا الايطالية إحدى أكبر التحديات التي واجهت الاتحاد الاوروبي خلال العقدين الاخيرين . والجدير بالذكر أن الهجرة الافريقية غير الشرعية لأوروبا من الشواطئ الليبية كانت إحدى أبرز أدوات السياسة الخارجية الليبية غير المعلنة لممارسة الضغوط السياسية ضد ايطاليا والاتحاد الاوروبي ، حيث خضعت كظاهرة غير شرعية للتوظيف السياسي وجرى التعامل معها طبقا لتوجيهات القيادة السياسية.  

                                                  بقلم/ فاضل عبد اللطيف