|
الأحزاب الليبية .. إلى أين؟!.. في مقال سابق لي بعنوان "رؤية نقدية للأحزاب الليبية"، كنت قد أملت فيه أن لا يكون وقعنا على الأحزاب وتشكيلها من مبدأ "الممنوع مرغوب". ولكن ما يُلحظ من هذا الظهور المتسارع لهذه الأحزاب التي يعلن عنها في كل ساعة تقريباً، أن الانخراط فيها ينبثق من ذلك المبدأ أو يكاد. ولعلي هنا أطرح تساؤلاً مُلِحاً وهو هل يمكن الوصول للديمقراطية عبر طريق لا تمر بهذه الأحزاب؟. ولكن بالمقابل فإن هذا الاستفهام قد يفرض علينا نقيضه، وهو لماذا كل هذا التوجس من إنشاء الأحزاب؟، وما الضير إذا ما جسدنا ديمقراطيتنا عبر هذه الأحزاب، وهي الطريقة الموجودة في معظم دول العالم؟. عندما نحاول أن نقارن الوضع في ليبيا، فإنه يفترض بنا الالتفات للدول العربية التي تشترك معنا في ظروف الجميع أعلم بها، بدلاً من التوجه بأنظارنا للدول الغربية، فالبون شاسع بين الاثنين. فنحن نلحظ ذلك التداول على السلطة في أمريكا وبريطانيا مثلاً بشكل سلسل تقريباً وفق آلية متعارف عليها إلى حدٍ ما. وإذا ما ضربنا في ماضيهما القريب لم نجد أن رئيس دولة أو حكومة حاول التلاعب بقوانين تلك البلد ليستأثر هو وزبانيته بالسلطة، كما يشاع عندنا. وإذا حدث هذا فهو عمل غريب ومستهجن ومستنكر وفق أيديولوجية تلك الشعوب، وبالتالي لن يجد من يصفق له. ولعلنا نقفز هنا إلى تجربة بعض الشعوب العربية مع الأحزاب، فنجد النموذج التونسي الذي اختصرت فيه الدولة في الحزب الدستوري، فلم يستحِ من تعديل الدستور غير مرة لينصب رئيسه الحاكم الأبدي لتونس. ولا يخفَ علينا حزب البعث السوري الذي عدل الدستور ليفصله على مقاس رئيسه العروبي الأسد الابن دونما أي اعتبار لشعبٍ لا يراهم إلا قطعاناً تقاد أينما أراد. وليس من ذلك ببعيد حيث نجد الحزب الوطني المصري الذي لولا ثورة الخامس عشر من يناير لشهدنا ربما ثاني جمهورية وراثية في العالم، وهو الذي لا تختلف محاولاته كثيراً عن محاولات الحزب الحاكم في اليمن. فهل ستكون الدولة الليبية الجديدة بعقلية غير العقلية العربية هذه في تعاطيها مع فكرة الأحزاب؟. وهل ستكون هذه الدولة بمنأى عن كل تلك التجاوزات الخارقة الحارقة الناسفة لكل القوانين؟. هل فعلاً سنشهد نموذجاً للأحزاب يماهي نظائره في الغرب، أم سنضطر وقتها للامتصاص التجارب العربية حفاظاً على تاريخ الأمة مع الأحزاب من الاندثار؟. عندما أطرح مثل هذه التساؤلات الغريبة في نظر البعض، يسمعني محدثي كلمة واحدة، وهي أن الفيصل هو الدستور الذي يحدد فترة الرئاسة، والقانون الذي ينظم ويرسم آلية عمل الأحزاب. ولكن هل نملك نحن عقلية احترام الدستور والقانون بالأساس؟. إذا كانت الإجابة بنعم، فلماذا إذا تتشكل كل هذه الأحزاب في ظل غياب قانون ينظمها ويشرعها؟، ألا يعتبر هذا تجاوزاً لا يسعنا تجاهله!. وإذا كانت الإجابة بلا، فتلك أشد وألعن لأنه اعتراف صريح برغبة دفينة في تمزيق الدستور والقانون بمجرد اعتلاء السلطة كما في الحالتين التونسية والسورية. أما في حالة غياب القانون كما الوضع الليبي الراهن، فهل يكون الفعل المباح هو ما ينتهي بتصفيق، والغير مباح هو ما ينتهي بالزجر؟. إذا كان الأمر كذلك فبشار الأسد هي الشخصية الأنسب التي يستمد منها الصواب في العالم. كما أني أعتقد بأن كل ذلك مرتبط بولاء أعضاء الحزب يكون لمن بالأساس، لشخص رئيس الحزب، أم للدولة ولبرامج رؤى الحزب؟. نحن نعي جميعاً ما هو المفترض في الأحزاب أن يكون، ولكن هذا المفترض وللأسف، يغيب تماماً عن أرض الواقع، مما يدفعني للقول بأن الخلل ربما ليس في فكرة الأحزاب أساساً، ولكن فيمن يطبق هذه الفكرة، وفي العقلية التي تترجم كل ذلك إلى وقائع. إننا نلاحظ كل يوم تقريباً ظهور أحزاب لا تختلف عن بعضها في مسمياتها إلا بالقدر اليسير، مما يوحي بقرب هذه التجربة من الفشل أكثر منه للنجاح. كما أننا لم نسمع عن برامج وأهداف وأفكار وخطط أياً منها للرقي بهذه الدولة التي يفترض توفرها للجميع، فعلى أي أساس تمت الدعوة لها إذاً؟، أم أن الانضمام لها مقصور على شريحة محددة؟. أم تراها تجمعات تتكتل حول مؤسسها وهو ما سيعيدنا لتونس بن علي، ومصر مبارك. ثم ماذا لو تجمع أزلام القذافي وكونوا حزبهم، ألا يمكن أن يصلوا للسلطة ديمقراطياً، وهو ما ليس بمستغرب؟، وكيف سيكون الرد عليهم حينئذٍ؟. وبخلاف ذلك، ماذا عسانا أن نقول عن تلك الأحزاب التي تأسست على أساس فئوي وديني، فمنها ما صرح به، ومنها ما لم يصرح به بعد، أليس هذا مخالفاً لكل القواعد السياسية؟. إن المجتمع الليبي له خصوصية اجتماعية نختلف به عن جيراننا من الشرق والغرب، ولذا فإن مرحلة الحياة الحزبية في ليبيا لن تكون بسهولة ظهورها الذي نشهده الآن. ويجدر بنا أن تكون أنظارنا ملقاة على وقت تتجذر فيه الأحزاب فيكون لها أشياعاً ومؤيدين قد يطغي ذلك على مصلحة الدولة وسيادة القانون، مما يضعنا في لحظة زمنية حرجة تكون هي الأقرب من يوم السابع عشر من فبراير. والله ولي التوفيق للتواصل: nidal_762003@yahoo.com
نضال الشركسي
|