وجعلوا المواطن الليبي يتخبط بين القنوات الفضائية باحثاً عن حقيقة ما يحدث في بلده. وما له من خيار إلا قناتهم أو قنوات رجال الأعمال أو القنوات القطرية "الجزيــرة" و "ليبيا الأحرار".
.
ولا يتوقف التخبط على المتلقي الليبي بل وعلى قيادته المتمثلة بالمجلس الإنتقالي أيضاً، الذي يحكمون عليه الخناق الاعلامي، والذي أصبح على قطيعة تامة مع المواطن والشارع الليبي عموماً. وحتى مؤتمراته الصحفية إن تكرمت الجزيرة و"ليبيا الأحرار" وبثت جانباً وإلا لن يجدوا إلى قنوات رجال الاعمال سبيلا فهي قنوات خاصة ولا احد يستطيع السيطرة عليها الا مالكها.
.
لذلك فالجزيرة لم تعد وحدها فقد اصبحت لها شقيقات تتحدث بالليبي، لتمرير ذات المشروع وصناعة الاجماع المبتغى، والرأي العام الذي ينشدون. وربما خير مثال السابقة الاعلامية الاولى من نوعها في تاريخ الاعلام أن تفرد قناة خاصة بث مقابلة تلفزيونية لمدة أربعة ايام تعاد ثلاث فترات في اليوم على مدى 24 ساعة. وهي مقابلة قناة "ليبيا تي في" التاريخية مع علي الصلابي. وهي القناة التي يمولها (علي الدبيبة) رجل الاعمال والمسؤول السابق في نظام القذافي.
ليبـيا الأحرار "الهدية المفخخة"،
القناة القطرية الموجهة للشارع الليبي "ليبيا الأحرار"، ربما يقفز إلى الأذهان السؤال: لماذا أدعوها بالقناة القطرية؟ في عرف الاعلام المؤسسة الاعلامية تنسب للمموّل. وهذه القناة بشهادة إدارتها ورئيس مجلسها محمود شمام، أنها بتمويل قطري 100%. بما فيها أجور العاملين والمقر والمعدات وتكاليف الانتاج ...الخ.
وهي قناة تديرها "إمرأة ليبية" وقد ارتبطت في أذهان الليبيين بأنها المرأة التي تدعوا "للسماح للمرأة بتعدد الأزواج" ..! واعتقد أنه سبب جوهري، لإختيارها لتكون مديرة هذه القناة، ليرتبط اسم القناة وتوجهها بما يسمى بـ"التيار العلماني" في مواجهة "التيار الاسلامي" ليكونا معسكري الصراع السياسي "المُختلَق" في ليبيا الخالية أصلاً من تيارات من هذا النوع.
.
وليس غريباً أن تغذي قطر كلا المعسكرين الذين زرعتهما. وهذا ذات الأسلوب الذي انتهجه القذافي في تغذيته لبؤر الصراع السياسي والمسلح لفرض الهيمنة. فاليوم انطبع في ذهن الجميع بأن كل من تزكيه أو يتكرر ظهوره من "الشخصيات السياسية" على "ليبيا الأحرار" فإنه ينتمي للتيار العلماني في ليبيا وهو يخدم أجندة الغرب. وفي المقابل كل من تقدمهم الجزيرة أو ليبيا الحرة فهم من " الأبطال الوطنيين والتيار الاسلامي. هكذا انقسم الليبيين من الدوحة إلى فسطاطين صنعا في الدوحة.
يقول الصلابي علناً، بأن "ليبيا الأحرار" هي قناة مخصصة لتلميع التيار العلماني ولا يسمح لنا بالظهور على شاشتها". وبالفعل نشاهد فواصل متكررة ومؤثرة لمقاطع من كلمات جبريل. ولكن، هل القصد منها فعلاً "تلميع" صورة جبريل. وهي القناة التي ينعتها الاسلاميون "بالماخور" أو "ليبيا الأشرار" حسب وصف البعض.!
.
و تعرضت القناة لإنتقادات شديد لأدائها خصوصاً بعد "تحرير طرابلس" بحجة أنها تبث الفتنة والفرقة بين المدن الليبية، و أنها تكرس جهودها لتشويه مدن معينة على حساب أخرى. كما شهت حملة استقالات جماعية من قبل عامليها. كما اتهمت القناة بوجود طابور خامس بين طاقمها. وبأن كل هم القناة بعد تحرير طرابلس هو إثارة الرأي العام وبث حالة الفزع والرعب بين الناس. وتشويه الثوار بإرتكاب إعمال السلب والنهب والجرائم الإنتقامية.
.
فهل تستكمل القناة القطرية "ليبيا الأحرار" ما تبدأه الجزيرة؟ ولعل في هذه الإتهامات بعض من الحقيقة. ومنها خبر الإقتتال المفتعل بين ثوار طرابلس وثوار الزنتان في المستشفى المركزي والذي بحسب ليبيا الاحرار والجزيرة اللتان نقلتا الخبر عن صحيفة الديلغراف بأن القتال استمر حتى ساعات الفجر واسفر عن سقوط قتلى. الغريب هنا اننا كلنا يعلم بأن الجزيرة تملك أكبر شبكة مراسلين منتشرة بأنحاء ليبيا والعدد الاكبر منهم في طرابلس، فهل ستحتاج الجزيرة لنقل خبر كاذب عن صحيفة أجنبية؟
أليس حرياً بالقناة طمأنة الشارع الليبي وبث روح التفاؤل والوحدة الوطنية وروح المصالحة والتسامح بين الليبيين.
ألا يستحق الليبيين بعد انتصارهم التاريخي الذي حققوه ذكر بعضاً من محاسنهم وايجابياتهم؟
.
وعلى سبيل المثال، أود أن أشير هنا إلى تعليق صحفي أجنبي في رويترز يدعى Daniel Serwer دانيال سيروير والذي أذهله الأمان وعودة الحياة الطبيعية في ليبيا قائلاً :"بأن ليبيا شهدت أسرع تعافي ما بعد الحرب شاهدته في حياتي، انه أسرع من البوسنة وكوسوفو والعراق أو أفغانستان، بالتأكيد أسرع من الصومال وسيراليون ورواندا.
ويضيف الصحفي مندهشاً لعودة الحياة الطبيعية إلى ليبيا متسائلاً: " لماذا هذا الانتعاش السريع في بلد شهد أربعة عقود من الديكتاتورية؟ لماذا تبدو ليبيا على "الطريق الصحيح" في حين يبدو أن مصر قد انحرفت عن مسارها؟ ويجيب عن تساؤله: "ليبيا لديها ما لا يقل عن ثلاث مزايا هامة : قيادة جيدة "المتمثلة بالمجلس الانتقالي وحكومته" وأهداف واضحة على الصعيدين الوطني والمحلي"، والتخطيط الدقيق والموارد الكافية."
.
لماذا لا نجد في القنوات المنسوبة إلى ليبيا ما بعد ثورة 17 فبراير، مثل هذه النبرة من التفاؤل وتسليط الضوء على الجوانب الايجابية لليبيا ما بعد الثورة؟ هل ابقائنا في حالة من الفزع والتوتر والرعب هو برنامج ممنهج ومنظم. وهل الحملة الاعلامية الشرسة التي يتعرض لها ثوار ليبيا واظهار الصورة بأن عمليات السلب والنهب والقتل تملأ البلاد هي محاولات لخلق مبررات التواجد العسكري الاجنبي على الأرض وهل هي تكرار لسيناريو الحملة الاعلامية التي شنت ضد العراق لخلق مبررات بقاء القوات الامريكية على أرضها. وكلنا يعلم بأن عمليات السلب والنهب والفوضى التي حدثت في العراق كانت عمليات منظمة وممنهجة لإبقاء التواجد الأجنبي على الأرض؟ فهل سيتكرر السيناريو في ليبيا وهل سينجح بسط هيمنة إمبراطورية الأخوان بمباركة الغرب وبرعاية قطرية، والحملات الشرسة للجزيرة وأخواتها؟
.
ولكن.. المخاوف ليست نفسها بين دول الربيع العربي، فبالنسبة لنسخة الإخوان المسلمين في تونس لا تشكل ذلك الخوف بإختلاف المعطيات على الأرض، تونس دولة دخلها القومي من قطاع السياحة، وهي تعد من الدول "الفرانكفونية"، إضافة أن النهضة ارتضت الاندماج مع تيارات علمانية معروفة... كما هو الحال عند إخوان مصر ممن عرفوا بتوزيع "اللحمة مجاناً" والحملات الطبية المجانية، لذلك لديهم من القاعدة الشعبية التي لا ينافسهم فيها أحد على الساحة المصرية... ولكن، ربما يحتاجون لتمويل أكبر، فهل ستكون ليبيا جزيرة الكنز المفقود لتمويل الجماعة؟
.
أخيراً ..!... أليس من الأجدى بمن يسوقون انفسهم أو تسوقهم الجزيرة على أنهم "النخبة الليبية" أن يلتفتوا إلى ليبيا كوطن لهم، وأن يشعروا ببعض الغيرة على وطنهم.؟ وإن ظلموا! واضعين في الاعتبار هذه المرحلة الحرجة والحساسة في بناء ليبيا. أم يعتقدون أن ليبيا هي وقف عليهم وانهم الأذكى والأحدق والأكثر أهلية والأكثر وطنية والأوصياء على الدين والوطن؟
.
أليس من الأجدى بآل الصلابي وعبد الحكيم بالحاج و غيرهم ممن يتهمون بالتآمر على بلدهم وتنفيذ أجندات أجنبية، أن ينسحبوا درءاً للفتنة وإن كانوا قد ظلم
ألم ينسحب جبريل من المشهد السياسي لذات السبب، هل تم التحقيق في إتهامات الصلابي له مثلاً أو تم الكشف على قلبه لإثبات حقيقة إنتمائه للتيار العلماني الملحد؟
ألم يتبقى لمحمود شمام بعضاً من الوطنية ليكون شجاعاً ويعزل "هدى السراري" عن منصبها في إدارة القناة، ألم يضحي الليبيين بالغالي والنفيس من أجل ليبيا ووحدتها؟
أم أن أرواح الشهداء أرخص من بعض المشبوهين، وإن لم تثبت إدانتهم ولكنهم من المؤكد كانوا سبباً في الفتنة وانقسام الليبيين. ولكن يبدو أنه لا حياة لمن تنادي! ولا يفوتني أن ألفت الإنتباه أنه يجب أن نراقب ما نبتلعه من الفضائيات. فلا الجزيرة ولا المؤسسات الاعلامية إجمالاً لم ولن تكن يوماً "الأم الرؤوم" التي تستطيع أن تغمض عيناك مطمئناً وأنت تلتهم ما تطبخه لك. كن واثقاً، أنه ليس هناك اعلام سيمنحك الجهد والوقت "مجاناً".! فلا يختلف كثيراً التسويق والدعاية لمواد التجميل عن تسويق الشخصيات والمشاريع السياسية
|