صنع في مصراتة أمام يباب المواقع الألكترونية                               

لماذا يلجأ الفكر إلى إنتاج نصوص قد تخرج عن نطاق الواقع حين يدرك أنه في مأزق؟

معالجة الواقع بالفكر المثالي مسألة قديمة قدم الإنسان، تجنح عادة نحو الاكتراث بفكرة قوانين التطورات الإجتماعية بطريقة أسطورية قد تكون تأمل في تشكيل المستقبل والإعجاب به سلفاً، وذلك قفزاً غيبي على التحاكم إلى الواقع، من شواهده المفاجئة أنّه لا يقول شيئاً عملياً.

 منطق الثورة – بناءً على إيقاع القتال- يختلف عن ذلك تماماً، في حين الفكر النظري يتكلم وبدون أدنى انزعاج ولا تردد عن أفاهيم حداثية مثل الديمقراطية والمجتمع المدني والمواطنة والدستور وسمو الدستور وبناء الدولة وسيادة القانون والتعددية الفكرية والسياسية والتداول السلمي للسلطة وشرعية الاستفتاء وصناديق الإقتراع واستقلال القضاء وسموه وحرية الرأي والتعبيروالنشر وحق تكوين التنظيمات السياسية ودولة المؤسسات والقانون والحريات العامة في الدستور فضلاً عن التنوير عن حكماء اليونان وذلك تحت وطأة إغراء الكلمات وهي تتقنع بقناع الحقائق في مثاليات تقفز خارج التاريخ، فإنّ الثورة تتحدث عن الممكن والضروري والآني وبمنهج مختلف، الجديد فيه أنّه جديدٌ فعلاً، وهو منهج يعرف وجه اللحظة الراهنة ويشتغل عليها حتى النصر، منهج الثوار الميداني هو وحده الذي يستنطق اللحظة التاريخية الراهنة والتي لا تفصل الفكر عن سياقه الواقعي، والثائر العيني هو الذي يعطي لهذه اللحظة التاريخية معناها، الأفاهيم الحداثوية لا يعوّل عليها في هذه اللحظة.

 منهج الفكر المثالي يستند إلى أنّ الحقيقة موجودة كاملة في الأفاهيم الحداثاوية الجاهزة ، أما منهج الثورة فيشتغل على الحقيقة ذاتها ، أي يرتبط بالواقع ارتباطاً عضوياً مباشراً، ليس ثمة من انفصام مع الواقع. ومنهج الفكر المثالي انّه لا يهدأ فهو دائب التنقل والترحال حسب الأهواء وما تجود به الرياح السياسية والثقافية، مثلاً ذات الفكر الذي يتسلق الآن على هضاب الأفاهيم الليبرالية  قد يكون مارس عادة التسلق هذه على هضاب مفاهيم مختلفة مثل الماركسية اللينينية ضد مفاهيم "الفكر البرجوازي" التي يهلهل بها الآن بعد أن كان أشرس ناقديها واعدائها، فقد كان يتسلق مفاهيم: المادية التاريخية ، المادية الجدلية، قوانين التطور الأجتماعي الحتمية، النظرية الثورية ضد النظرية البرجوازية، الطبقات الأجتماعية المتناقضة، الصراع الطبقي، تحولات الكم والكيف، النفي ونفي النفي، علاقات الأنتاج والقوى الأنتاجية ونمط الأنتاج، البنيات التحتية والفوقية، النظرية الثورية العلمية (الماركسية اللينينية)، التناقض بين العمل والرأسمال، التناقض بين الطباقات العاملة الكادحة والطبقات البرجوازية، " لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية"، تراكم رأس المال والقيمة المضافة، الإستغلال الطبقي، التنظيم السياسي المستقل للطبقة الكادحة( البروليتاريا)، بناء الحزب الثوري البروليتاري لبناء النظام الأشتراكي، محاربة الأفكار والممارسات البرجوازية الليبرالية في المجتمع الأشتراكي، التناقضات الأساسية والتناقضات الثانوية، اختيار النضال الوطني الديمقراطي مرحلياً لبناء المجتمع الأشتراكي تحت قيادة حزب البروليتاري الحاكم، بناء تحالف وطني ضد البرجوازية،  ثم الوعي الطبقي هوالألية الوحيدة الكفيلة لحسم الصراع الطبقي ضد البرجوازية في اطار الحزب الثوري المستند على الديمقراطية المركزية. الفكر المثالي الترحالي مجرد دليل على قلة معناه ، فكر غريق يتعلق بقشة حداثوية.

في مصراتة مثلاً، يتعامل الثوار مع الواقع بفتح ورش تعمل على تحوير الأسلحة المكتسبة من كتائب القذافي إلى اسلحة تلائم احكام الضرورة للدفاع عن المدينة. بيئة الواقع الثوري واسعة واعادة بناء الواقع عمل يقترن في ذهن الثائر بالإنتصار، ايذاناً ببلوغ المراد. ورش تحوير الأسلحة تفضي إلى حرية فياضة ، تفرق بين الأصلي والفرعي ، وبين الحقيقي والوهمي، وبين الحسي والمعنوي ، بين مجال الإقتتال ومجال الإنشاءات الفكرية والترحال العقائدي والأيديولوجي . إنّ اللعب بالكلمات لا يجعل الشاطر ديمقراطي.

 تحوير الأسلحة ذو شأن كبير، مادة هذا الشأن هو الميدان، لذا كتب على سلاح الورشة: صُنع في مصراتة. إنّ تحوير الأسلحة ليست فكرة طرأت على الذهن الفكري المجرد ، إنّها اختراع من عطاء غير محدود في مواجهة النار تعطي الدور الأول للجانب المنطقي.

الثورة هنا تتحدد وتتكلم عن ذاتها وليس لها أن تغرق في هذا الفضاء الهيولي الفسيح من الكلمات الفسيحة. الحرية في نظر الورشة أروع من نظرية تتامل في تصوير الأعاجيب المستقبلية ، الورش لا تتعامل مع تقاطع الكلمات الحداثوية( التي كانت توسم بالبرجوازية) بقدر تعاملها مع سيكولوجية الصمود والتحدي والحاجة إلى البقاء وبمنظار الثائر المقاتل المدافع عن هويته بأقل خسارة ممكنة.

 اصطناع الكلمات الحداثوية ،والذي غدا من بديهيات الإعلام الثقافوي عبر الفضائات المتشرة انتشار النجوم في السماء، عن طريق التوسع غير المنظم فيما بينها معرفياً يعج بالتعالي كما بالمخاطروسهل جداً للقفز من فوق الملموس والحقيقي وتسلق ظلال الهضاب.

 الثائر يواجه مخاطر من هوية أخرى ، فهو يدرك أنّ مطلبه في الحرية منوط بالأحتراق الذاتي بالحياة والفعالية ذاتها. الثائر لا يعبأ بسحر الكلمات عن مؤسسات الدولة والمجتمع المدني وسمو الدستور والتعددية الفكرية والسياسية وتداول السلطة، لا يأتي البيوت من غير ابوابها، يدرك أن واقعها الآني يحتاج دائماً إلى معالجة ، بعيداً عن أي نشاط خيالي لا صلة له بالواقع الراهن على الأقل في افق الثورة. تقول الحكمة الشعبية" الطاجين يغلي والحوت في البحر".

ألثائر يعيش التاريخ ذاته عبر إرادة الحرية وارادة الفعل وجدة اللحظة، الفكر المجرد يجدف خلف مصطلاحات متناثرة في اباريق مهشمة في افق خارج عن اطار لحظة الثائر والثوار والمدن الصامدة، هذا الفكر لن يؤدي الا الى الأنغلاق الميتافزيقي.

هناك في فضاء المواقع الرقراقة انتاج فكروي لؤاد فكرة المستقبل ذاتها، وهي فكرة لم يحن موعد قطافها بعد، ليبيا في حالة صراع واشتباك مع الذات ومع الآخر وليس بوسعها أن ترى المستقبل بالكلمات المتعالية عن الواقع حتى تتحدد معالم النقيض والضد في الوقت الراهن.

الواقع الثوري يعمده الدّم وهولصيق بشروطه وزمنه فلا يستطيع أن يفارقه ، والواقع لايقابل اغراء الكلمات فهو ليس نقيضها. نقيض الواقع هو الوضع الثقافي والسياسي ذو النزعة السلطانية المتجذرة في اعصاب الفكر الترحالي من نافع مؤدلج الى نافع اديولجي آخر حسب ما تأتي به الرياح وحسب ما تفتحه شهية الثورات بعيداً عن عافية الوعي البشري.

أي شكل سياسي عشائري ينتجه فكر حداثوي لا يترتب عليه إلا فكر سلطوي وأي سلطة عشائرية تنزع عن الفكر واقعية اللحظة التاريخية الراهنة بدورها تنزع عن الفكر حريته وتتحايل على الواقع في معزلٍ عن ايقاع زمن الثورة ومعاناة المدن المحاصرة.

أليس هذا المأزق ينطوي على الإستهجان بالثورة ودم الثّوار الشباب معاً.