|
آدم الرقيق/ درنة وأزمة
الهوية بين البدو والحضر
ابودي واحضور .....غرابا شراقا .....كثيرا ما نسمع
مثل هذه الألفاظ التي تدل في مدلولها على المكان او القبيلة ولكن تحمل
في طياتها نعرة عنصرية ضيقة ... بحيث جعلت من المكان انتماء وجعلت من
الانتماء تعصب وجعلت من التعصب ازدراء واحتقار وسخرية واستصغار .
وعجبت لكثير من اهل درنة من المثقفين والمتدينين
والمتعلمين .... ذوا حساسية مفرطة من مدلول ومضمون هذه الكلمة .. ناهيك
عن من يستخدمها لزيادة التوتر وأحياء الإقليمية الضيقة والتعصب الغير
محمود .حتى إذا ما سمع بها احد يظن أن ورائها احتقار لشخص أو منطقة أو
تعصب أبله أو انتماء حقير. والذي شجعني على الخوض في مثل هذا الموضوع
..بعض المقالات الاخيرة حول موضوع القبيلة والتعصب القبلي من قبل بعض
كتاب درنة وكذلك التعليقات الدرناوية في الانترنت تجد في طياتها
التصريح والتوضيح والتلميح للتعصب القبلي ، وبعضها تجد فيها الهمز
واللمز لنفس الموضوع .
وكذلك حبي وغيرتي على الهوية الدرناوية و تماسكها
ووحدة النسيج الاجتماعي للمدينة ... والحفاظ على مضمون ومدلول معني
كلمة (درناوي ) بمعني الكلمة من البدو او الحضر من الشرق أو الغرب من
المرابطين او العبيدات وغيرها من التفاصيل القبيلية والإقليمية
والجهوية
فالاولى لنا ان نفكر كيف نعالجها ثقافيا وفكريا
وحضاريا.فالذي يتابع الدراسات الانثروبيولجية يلاحظ أن المكان يدل على
استقرار الحضارات وليس له أي مدلول عرقي ضيق .
والمجتمعات البشرية جميعها في حركة ودوران واختلاط
وتغيير ، والمجتمع الدرناوي ليس بمعزل عن هذه التغيرات البشرية
والهجرات الانسانية ، بل كانت مدينة لم يقتصر سكانها على عنصر بشري
واحد بل تنوع ساكينيها واختلطت انسابهم من المزيج المحيط بهم من المدن
الاخرى بل تعداه الى الدول المجاوره فهي خليط متجانس من العرب
والاندلسيين والترك واليونانيين .... وغيرهم .
هذه التركيبة الدرناوية الحالية هي تركيبة تراكمية
على مر العصور ، فلا يستطيع احد ان يقصي وينفي لأحد من الدراونة
انتماءه لدرنة وإقصاءه من المدينة لكونةلا يرتبط معه في العرق او
القبيلة ..!!
والهوية الدرناويه هي هوية مرتبطة بثقافة ولهجة
وسلوكيات واتقان وعلم وتفوق ولا مكان للنعرات الضيقة والسطحية التى
اخذت حيزا كبيرا من ثقافة المدينة حاليا، فتدنت الى الحضيض في سلم
المدن الليبية .هذه الهوية هي تركيبة تراكمية على مر السنيين والاعوام
. فلا تزايد ولا مناقصة على حساب الجهة والمنشأ والموطن والقبيلة
فالجميع دراونه .
والمشكلة في نظري قد يكون لها ترسبات وتراكمات
تعصبية ولكن الأفضل والأعقل أن يتعالى الدراونة بثقافتهم وعلمهم على
الخوض في مثل هذه التفاهات بالأخص المثقفين والمتعلمين منهم .
فالانتماء لجهة معينة أو مدينه أو قبيلة أو غيرها
ليس عيبا ولكن يجب أن يكون في حدود المعقول وهو الانتماء المنطلق من
خاصية أو ميزة معينة ولكن لا تصل إلى الاستعلاء على الآخرين واحتقارهم
لأنهم من جهة أخرى أو منطقة أخري أو قبيلة أخري .
وهذا ما نفاه الإسلام عن التعصب القبلي وقال عنها
رسول الله صلى الله علية وسلم ( دعوها فإنها منتنة ) وصف بليغ منتنة (معفنه
) بالمصطلح الدرناوي.
فلا اعتقد إن احد يحب أن يأكل (العفن ) أو يستسيغ
الأكل المنتن العفن فمن باب أولى أن يترك الخوض والكلام في مثل هذه
العصبيات الضيقة فإنها منتنة وعفنة.
والعاقل والحكيم هو الذي يستعلى عن الخوض في مثل
هذه التعصبات الضيقة والأفكار الهدامة . ثم ماذا بعد ... سؤال يطرح
نفسه.. من المستفيد من إثارة النعرة القبلية وغيرها ؟ وما نستفيد إذا
روجنا لمثل هذه الأفكار؟
اعتقد انه لا احد يستفيد من اهل درنة ولا ادري إذا
كانت هناك قبيلة أومنطقة او جهة وراء خلق مثل هذه الظواهر السلبية
المفرقة للمجتمع الدرناوي .ولا اعتقد أن هناك ثمت درناوي عاقل يفكر في
خلق مشكلة عصبية أو قبلية وذلك للاندماج الكبير بين الدراونة واختلاط
أعراقهم مع بعضهم البعض وهذه خاصية للمجتع الدرناوي وجزء من الهوية
الدرناوية . ونظرا لكوننا في عصر العولمة واتحادات الدول في كل مكان
وفي المقابل نحن نسعى لتفتيت المدينة طوائف واشياع فنحن كدراونة لا
نطمع في توحيد الهوية الدرناوية فحسب بل نسعى لتوحيد الهوية الليبية
ولنكون أكثر رقيا وحضارة في التفكير في القواسم المشتركة مع المدن
الاخرى .فدرنة هي المدينة الوحيدة التى يتكون نسيجها الاجتماعي من نسيج
المجتمع الليبي ككل رغم صغر حجم المدينة مقارنتا بتعدد القبائل
والاعراق التى فيها ، وهذا النسيج اضاف الى الهوية الدرناوية روح جميلة
روح مبنية على التعايش والتقارب مع القريب والبعيد والتفاهم والاندماج
مع الغريب وعابر السبيل، فادي ذلك الى تكوين هوية مبينة على القيم
والمبادي والمعاني الجميلة يفتخر بها كل درناوي ، اين ما كان . هذا عن
المجتمع الليبي ناهيك عن المجتمع العربي والاسلامي فدرنة لم تكن يوما
معزولة عن الواقع الذي حولها فنسيجها الاجتماعي لم يقتصر على العنصر
العربي الليبي بل امتد الى الاوربي الاندلسي والاوربي اليوناني
والالباني والتركي وكل هولاء جزء من مجتمع المدينة لا يستطيع احد ان
ينكر هويتهم الدرناوية ولا يستطيع احد ان يزايد على العرب من شتى الدول
العربية مصريا او فلسطينا او لبنانيا اوجزائريا او مغربيا او تونسيا
فكل هولاء جزء من نسيج درنة الاجتماعي وجزء من فسيفساء درنة الاجتماعية
والثقافية .
فما ميز هذه المدينة عن غيرها هو الروح الاجتماعية
عند اهلها وقوة ترابطتهم مع بعضهم البعض رغم حجم المدينة المتزايد الا
انهم في تواد وترابط لا للقبيلة ولا للعائلة ولكن للصديق والصاحب
والزميل والشريك وكل ما يربط البشر من معاني وقيم . والمجتمع الدرناوي
يرفض التعصب النتن للقبيلة والدم والنسب الا في مكانهم المناسب كعصبة
او صلة رحم او ما امرنا بها ديننا الحنيف. فالعالم الآن أصبح صغير جدا
والتكتلات الإقليمية هي احد مظاهر هذا العالم ونحن جزء من هذا العالم
فيجب أن نفكر مثل ما يفكرون لكي لا نغرد خارج السرب . أما الذين يثيرون
هذه المشاكل القبليلة مع احترامي الشديد لهم فإنهم ليسوا رجالات هذا
العصر ولا العصر الذي قبلة ولا الذي سيكون . فكل المعطيات تشير إلى أن
مثل هذه الأفكار سبب رئيسي في فناء الامم ونهاية الحضارات وسبب رئيسي
في الحروب والمشاكل والفتن . فهل نعقل كدراونة ونترك هذه السفاسف ..
.. ونبحث على ما يشرف مدينتا وثقافتها وهويتها .. .. ونبحث على نهضتنا
وعلونا .. .ونبحث على مكانتنا بين المدن..وقوتنا بين الخلق فالقوة
بالتجميع والوحدة والاحترام، نتمنى من الجميع أن يعي خطورة مثل هذه
الأفكار. دبلن ايرلندا
|