|
مصدرو
الفساد : الشركات المفسدة مثالا*

رمضان جربوع
ظهر الفساد في البر والبحر وكان لابد أن يلج بلاد
العرب، دخل إلينا، ونبتته أصلا عندنا، ترعرعت في ظل غياب دولة
المؤسسات وارتوت تحت تسلط أولي الأمر الوجلين أبدا، وأينعت بغياب
المحاسبة والمساءلة، الفساد كان استثناءّ، وبفضل العولمة وروائح نفطنا
(أو زفتنا) صار القاعدة.
عن العولمة والتنمية يحدثونك
العولمة والتعاون الدولي عنوان مثير لا غبار عليه كمحرر لقيود التجارة
والاستثمار والازدهار المشترك، إلا أن ما نالت منه دول النفط في معظمها
ليس سوى صور باهتة تحاكي الحداثة في بناء الأبراج والفنادق بل وحتى في
المأكل والملبس والطرب، كل ذلك يتم بمسمّى "التنمية" وكأنها صرح
يمكن تلزيمه لشركات "عولمة" تقوم به عوضا عن أبناء البلد، الذين لم
"ينموا" بعد، بل إن كل ما تم إنجازه قبل حقبة النفط، على قلّته، انهار
وحلّت محله مشاريع إعمار وبنية تحتية مهولة الأرقام ركيكة البنيان، وتناسى
الكل أن التنمية لا تنطلق إلا من تنمية الإنسان... ليس بمنظور العلم
والإدارة ولكن بتربية وطنية تعرفه بحقوقه وواجباته وتعلمه كيف يطالب بها
ويقوم بما عليه في ظل حريات مكفولة ومحاسبة ومساءلة تنطلق من القاع وصولا
للقمة لا يخشى فيه الفرد شيئا على نفسه أو ماله بمساواة مطلقة ولا تميّز
بعلاقة أو قرابة. .. هذا لم يحدث، خشية تغير الأحوال أو زوال السلطان،
فكان الحكم في هذه البلدان واقعا ضمن "الدائرة" الخاصة وما يتبعها
من أقارب وأصدقاء و"عمال" أمن وسياسة، والباعث لذلك الاطمئنان
والاستقرار والدوام.
الشركات المفسدة
ولما كان المال كثيرا، تغيرت مواصفات الإنشاءات المطلوبة وأصبحت تجاري وتتفوق
على نظيرتها في الغرب، هذا صار عرفا، فالأموال الطائلة التي يدفعها
الغرب لنفطه لابد لها أن ترجع من حيث أتت أصلا عن طريق الشركات، التي تنفذ
على طريقة "تسليم مفتاح"! أو التي تورد التجهيزات والعدد والسلاح، الذي
غالبا ما يصدأ في انتظار من يتدرب عليه ويصونه ليستعمله عند الحاجة.
والمال كالسكر للذباب، يجذبه من كل حد وصوب، تتكالب الشركات الأجنبية
على العطاءات للمشاريع "الطنانة" ولما كانت دولة المؤسسات والشفافية
مفهوم لم يصدّروه لنا بعد، ونبتة الفساد الصغيرة ترعرت في غياب
المساءلة والمحاسبة، فلابد لراغب الفوز بقصب، من "وكلاء" يعينه على
تسويق بضاعته، وترسيم العطاء صار رهنا لمكالمات هاتفية أو أوامر خفية، أصبحت
مهنة "الوكالة" حكرا على المتنفذين وذوي السلطان، والدائرة التي تحدثنا
معها، صارت متشعبة ومتعددة الأجنحة، ارتفعت قيمة "العمولة" لتصل
أحيانا في بعض البلدان إلى ما يتجاوز النصف حتى تستطيع سد الحاجات
للمسهلين من ذوي الجشع والشهية بينما المعتاد حسب أصول المهنة في عقود
الملايين، لا تتجاوز العمولة النصف في واحد بالمائة.
عادة إذا كانت "الشركة" محترمة، فهي لن تقبل لأن لديها سمعة محترمة
على مستوى العالم بل وصارت تخشى من تهمة "غسيل الأموال" والتحويلات
المشبوهة، وبالتالي حل محل الشركات "المحترمة" شركات أخرى غير
محترمة، التي يملكها في الغالب أفراد مغامرون لا يزعهم وازع ولا
تهمهم سمعة أو صيت. بلدانهم الأصلية لن يهمها كثيرا أمرهم وما يفعلون،
فأرباحهم سترجع للبلاد وسيوفرون وظائف وينعشون اقتصادها.
أما البلد الذي تنفق أمواله بهذا الأسلوب، عبر الشركات "المفسدة" فسيتحمل
شعبه، المالك لثروته الشرعي، عبء الخسارة الناجمة عن مضاعفة الأسعار
ورداءة نوعية العمل المنفذ والتعطيل، ولن يجرؤ أحد على مساءلة تلك
الشركات، لأن الذي لديه الصلاحية بذلك قد قبض مقدما، بل وسيلزم لذات
الشركة أشغال أخرى .
هكذا تتكون لدينا طبقة متسلقة جديدة تقضي على الطبقة المتوسطة، أس
التقدم والنمو، ويستمر الحال في إدارة دفة شؤون الدولة عن طريق الإملاء
من عل، وينتعش الفساد ويزدهر، ونكون في وضعية الذي "استورد" الفساد
على أصول العولمة، هؤلاء "الوكلاء" من ذوي النفوذ والقربي والشراكة،
يسهل التعرف عليهم، يكفي زيارة الفنادق الفاخرة في عاصمة عربية
لتراهم!
ودول الحراسة
الدول التي لا نفط لها، أصبحت تعتمد على القادمين من وراء البحار، أكلا
وشربا وملبسا وإنشاءات وغيرها، بل لقد صاروا مرتهنين للسائح الأجنبي وإعانة
الأجنبي واستثماراته، التي تنفذ وفق ما يملي وما يوافقه فكان
لابد – لاستمرار الدعم- أن تتقلص مساحة "الاستقلال" فتحولت إلى رقم
من الأرقام، ولما كان الأجنبي وصديقه "المحلي" مصدر الرزق الجديد،
فكان من الطبيعي أن يلتف حوله "دائرة" أخرى شبيهة بالأولى في بلدان
النفط، وتتكرر المأساة ويعم الفساد، إلا أن الفساد في هذه الدول له
نتيجة مباشرة ألا وهي الاستغراق في الفقر والتخلف ناهيك عن ضياع القيم
ومفهوم الوطن .. الذي تحول في بعض البلدان إلى "ماخور" ملذات أو
مصرف غسيل أموال، في بعض البدان صار غسيل الأموال مخصصا لساسة
ومتنفذي الغرب الذين يقدمون العون ويعرضون الصداقة والعون، حتى وإن
كان هو المستعمر السابق. ساسة الغرب هؤلاء أصاب بعضهم "فيروس" الفساد
المعرب، فلقد شاهدنا مارغريت ثاتشر وزوجها وابنها وطوني بلير وساركوزي
وجيسكار ديستان وغيرهم كثر، يجوبون الآفاق لتسويق شركات بلادهم ومصالحها،
حسب واجبات وظائفهم، إلا أنهم في بعض الأحوال لا يستنكفون من
تناول "الغطيسة"!
الفساد طريق الهلاك
من نتائج الفساد غير المباشرة هو تحول معظم الحكومات إلى أدوات لكبح جماح
المواطنين ولجم تطلعهم لحقوق إنسان لم تعد في بلداننا سوى أنشودة نتغنى
بها جميعا، بما في ذلك الذين ينتهكونها. باختصار صارت النخبة
الحاكمة في عدد من بلداننا عبارة عن حراس محليين للمنطقة ومواردها، وهؤلاء
في جميع الأحوال أقل كلفة من الاستعمار المباشر .
ويحق لنا أن نتساءل: هل نحن مستقلون فعلا؟
الفساد معيق للتنمية، لأنه وكما قلنا؛ التنمية التي لا ترتكز على
الإنسان الفرد، لن تؤتي ثمرا، فإنسان لا يعي ما يدور في بلده
وحوله ولا يكاد يجد الوقت لسد رمقه، هو إنسان معطب، وبلده يسكنه
معطبون، سيزداد عطبا لا محالة، وعندما يعم العطب ستنهار الدولة، وسيضيع
الاطمئان والاستقرار ولو بعد حين، ولن تجد "دوائر" السلطان والأمير
من سبيل سوى الاستزادة من نفوذ الأجنبي وتدخله المباشر حفاظا على "السلام"
ربما خشية من عملية "استبدال" كما حدث في العراق، ولعلنا نجد في
مطالبة رئيس وزراء الصومال الأخيرة بتدخل أجنبي مسلح لضبط الأمور في بلاده
نذيرا بما قد يحدث في بقية بلداننا التي في مجملها معرضة للغزو
والاحتلال، ولن يهم المحتل أو الغازي إدارة شؤونها، فيكفيه تأمين
المنطقة من الناحية الجيوسياسية والنفطية فقط، أما زعزعة الوطن ونشوب
نزاعات وحروب أهلية، فقد يقول .. يا مرحى!
هل من حل؟
الصورة ليست كاملة القتامة، ما يزال لدينا فرص القضاء على الفساد، والقيام
بإصلاح اداري وسياسي، من حيث آليات اتخاذ القرار، كل القرارات
والسياسية والإدارية وصولا للاقتصادي، والفرصة متاحة في اعتماد مبدأ
الشفافية والمساءلة والمحاسبة بفتح الأبواب مشرعة لحرية إعلام ومؤسسات
مجتمع مدني وفق المعايير الدولية، تتكون مؤسساته بمجرد إبداء الرغبة
ولا ترتهن بموافقة "وزارة"، مؤسسات المجتمع المدني يجب أن يتاح
لها العمل في أي مجال تختاره، بما في ذلك السياسة، التي هي خلف
كل شيء، وتختلف مؤسسة المجتمع المدني، حتى وإن عملت في السياسة، عن
الحزب السياسي بكونها وبطبيعتها لا تسعى للسلطة.
هذه
مطالب طبيعية نعتقد بعدم جدوى أي إصلاح ما لم يطلق العنان غير المقيد
لمجتمع مدني ولإعلام حر وإعمال للقانون ومساءلة ومحاسبة، ليس فقط فيما
سيأتي بل وأيضا، لكي يصدق الناس، فيما مضى!
ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com
____ |