لا نزاع في أن الإصلاح المطلوب، وتدارك التعثرات السابقة يستوجب أن يكون
شاملا، وأن بالتدرج، ليس فقط في تحديد مواصفات من يقع عليهم العبء للقيام
به وكذلك في إخضاع من كان له دور في إعطاب مسيرة التنمية للمحاسبة وإعمال
القانون واشتراط إقرارات الشفافية المتحقق منها، وتوفير وسائل النجاح من
حيث التواصل مع المواطنين، الذين في غالبيتهم معدمون؛ برصد إنفاق مخصص
لمكافحة الفقر وسد حاجات المعوزين – وهم كثر – وإتاحة الفرص للتعبير غير
المقيد عما يجيش في صدر المجتمع، وإعادة النظر في الهواجس التي تتحكم في
القرارات المتعلقة بالمسائل الأمنية وإيقاف وتحديد هيمنة المتسلطين من مدعي
"الولاء" في كل صغيرة وكبيرة خصوصا الآن وقد التحق البعض منهم بركب الإصلاح
(وهم بالانفتاح! أكثر شغفا) حتى لا تتاح لهم الفرصة ليفسدوا مرة أخرى،
يستوجب الأمر كذلك توسيع نطاق مشاركة المواطن في دق النفير وتكوين الصورة
الأوضح للرأي العام عبر مؤسسات مجتمع مدني متوافقة مع المعايير الدولية،
يتاح لها المراقبة والحث على الالتزام بحقوق الإنسان الأساسية ثم
وبالتزامن، التوصل إلى حلول لقضايا نشأت بفعل تجاوزات وانتهاكات سابقة،
والحلول يجب أن تشمل الاعتراف بخطأ الدولة عن طريق "عمالها" والاعتذار عما
حدث منهم وجبر الضرر والتحقيق. عند الشروع في تحقيق ما سلف، والذي نراه،
حيويا وملحا ولا مفر ولا لف أو دوران حوله سنستطيع القول بأن مسيرة الإصلاح
قد انطلقت ولاسبيل لإيقافها -
ونحن نرى التباشير بذلك حتى وإن كانت خجولة -
سيبقى السؤال الأهم:
أي اقتصاد نريد؟
التعبير الأصح قد يكون؛ أي إصلاح اقتصادي
نريد؟
لا شك، الخطوات الإصلاحية التي أشرنا إليها تستهدف تدارك آثار التعثرات
السابقة، وستسهم دون شك في بداية تحسين مستوى حياة المواطن العادي الذي
سيصبح أكثر اهتماما بالشؤون العامة، ولكن الإصلاح ليس بإصلاح عطب ما سلف
فحسب ـ أي ذلك العطب الذي أدى لتدهور مستوى المعيشة وتعطيل التقدم ـ ولكن
الإصلاح عن طريق وضع أسس واضحة المعالم، تشريعية وإجرائية وقضائية، حتى لا
تضيع الخطوات سدى ولا تقود إلا إلى التموضع حيث نحن، وحيث ستظل الأخطار
كامنة في معاودة الكرة بفعل من فعلها مسبقا. بداية، الاقتصاد أو الإدارة
لشؤون العمل والإنتاج (بأصنافه) وتنظيم العلاقات وضبط الإجراءات التعاملية
ضمن تصور محدد مبني على المعطيات الآنية من مختلف العناصر وكذلك تلك التي
ستحدث مستقبلا، لا نعلمها ولكن نستطيع أن نستشرفها، منظومة معقدة متشعبة،
وهي مترجمة لمقاربة سياسية معينة معتمدة.
انتقالية؟
وبلادنا اليوم تواجه المرحلة الانتقالية من اقتصاد القطاع العام الذي كان
يقوم بكل شيء، إلى اقتصاد السوق الليبيرالي حيث دور الدولة لا يتعدى
المراقبة والضبط والتدخل عند الحاجة القصوى، هذا الاقتصاد "السوقي" لا يصلح
لنا اعتماده فورا لأنه يتطلب مؤسسات، بمعنى دولة تعمل بواسطة مؤسسات مشرعنة
من السلطة التشريعية كاملة الاستقلالية وغير قابلة للتدخل (مثل ديوان
المحاسبة المستقل، والقضاء كامل الاستقلال قرارا وادعاءا وتنفيذا لأحكامه ـ
بعد إصلاحه طبعا ـ ثم المؤسسة المختصة بشؤون الميزانية وإنفاقها وضبطها من
حيث الجدوى والجدية ومؤسسات حماية المستهلك الأهلية، وكذلك مؤسسات الإشراف
على الخدمات المهنية والحرفية والمالية والعاملين بها.. الخ)
في انتظار دولة المؤسسات
نحن
مازلنا في مرحلة إعادة النظر وربما في إعادة التأسيس لهذه المؤسسات التي
سيستغرق إعمالها وقتا طويلا، فهي لا تأتي بمجرد صدور التشريع بها، ولكنها
تحتاج لتغيير في الثقافة السلوكية سواء من طرف المواطن أو أولي الأمر في
مختلف قطاعاتهم. المؤسسات التي نتحدث عنها تحتاج لترسيخ مفهومها لدى كافة
الناس، ولن نستطيع إقناعهم بالمفهوم إلا من خلال الأداء الجيد والمراقب.
نحتاج لرجالات تكنوقراط عاليي الكفاءة والفعالية، وإن كان لدينا بعض منهم،
إلا أن النقص فيهم لا يزال مفجعا، ولما كنا نتحدث عن اقتصاد غربي النشأة،
وحيث أننا صرنا نتعامل مع مؤسساته الدولية (ابتداء من الاتفاق مع صندوق
النقد الدولي والبنك الدولي في سنة 2005) فهي أيضا تتطلب اعتماداً فعلياً
(وليس شفوي فقط) بشروطه، ومنها الشفافية في الميزانية والأداء، ضبط الإنفاق
والمطابقة ما بين الوارد والصادر والرصيد ومحاسبة المسؤولين عن التجاوز،
الجدوى الاقتصادية، ثم، الاجتماعية أيضا بالنسبة لنا باعتبارنا من دول
العالم الثالث.. إلى آخر المنظومة.
أهو تغيير؟ وبأية وتيرة؟
إذا، في هذه المرحلة، لم يعد الحديث عن "إصلاح" فقط، بل يتجاوزه إلى تغيير
كامل في البنية الاقتصادية للوطن، والخشية كل الخشية هي تسريع وتيرة
التغيير بدون الاستعداد لها كما يجب فهذا من شروط النجاح أو الوصول إلى بر
الأمان.التغيير سيمس البنية السياسية لامحالة، والسياسة وحسب ما طرح في
البلاد واعتمد، عبر المؤتمرات الشعبية ومؤتمر الشعب العام، تظل هي الأخرى
عرضة للتغيير أو لنقل التطوير، ومن الممكن جدا إحداث التغيير والتطوير
بأدوات عمل وأداء وأزمان ومواقيت "ممارسة السلطة" عبرها، ففي هذه المرحلة
لابد من أن يكون لكل مواطن صوت فيما يجري في البلاد أو فيما يعزم العمل به،
وليس عبر قرارات يتم إعدادها وتعرض ويوافق عليها، الموافقة لا يجب أن تقتصر
على الاعتماد فقط (على طريقة الختم والبصم) بل على كيفية الإعداد من حيث
المبادرة المباشرة، على أن يكون التناول والنقاش والاعتماد متزامنا مع ما
تأتي بها اللجنة الشعبية العامة (الوزارة) من اقتراحات، وما يأتي من الشعب.
خيارات؟
وعوضا عن الاستمرار في الحراك كما سلف، لدينا خيارات أخرى دون شك، ولنا
الاستفادة من تجارب جيراننا (تونس ومصر)، والاستفادة ليست بالاتباع ولكن
بتلافي ما صار لديهم من "أعطاب" والابتعاد عما سببه. في كلا الدولتين،
الاقتصاد موجه بصورة مركزية من قبل الدولة، وإن كان يبدو ليبيراليا في
الظاهر إلا أنه مقصور على "تعاون" و"تحالف" ما بين مؤسسة الدولة الشاملة
المهيمنة وقطاع الأعمال والذي يحتوي في جزء كبير منه على "أوليغارشية"
نخبوية من "ذوي الولاء" وأحيانا من ذوي القربى والمشاركة الخفية، وكل ذلك
تحت حراسة مشددة وأحياناً "شرسة" من أجهزة الأمن المتعددة.
بالتأكيد ليس هذا هو الخيار الذي نريد
لدينا هاجس، بل فلنقل أمل كبير، في ضمان "الاستحقاقات الاجتماعية" التي يجب
أن تكرس، فهي إلى جانب حقوق الإنسان الأساسية وضماناتها، وحرية التعبير،
هنالك ضمانات نحتاجها ولنا الحق فيها ولا اجتراء على "الدولة" في ذلك، مثل
الحق في تكافل الفرص والحق في العمل والتعليم والصحة. نريد من أهل الإصلاح،
الإعلان عن الالتزام به وتكريسه وتشريعه ومأسسته شريطة أن يشمل الحقوق
والاستحقاقات، الإنسانية والاجتماعية والسياسية، حتى نستطيع أن نضع
استراتيجيتنا الاقتصادية، أو مخطط التغييرات المنشودة بوتيرة نستطيع
احتمالها وإنفاذها، ولهذا حديث آخر ...