يوسف المجريـسي/

 نكبة ليبيا بين القصر الشعبي والخيمة الملكية

لا أعرف بلداً تأسست فيه مملكة دستورية ثم سقطت حتى قبل موت مؤسسها ومليكها الأول إلا بلادنا المنكوبة، فعمر الملكية في ليبيا لم يتجاوز ثمانية عشر عاماً، أي أقل من نصف عمر الحكم الحالي. لقد كان الملك إدريس، رحمه الله، أول وآخر ملك ليبيا بعد استقلالها. وأمرنا لا يقتصر على هذه الحالة الشاذة، بل انفرد هذا الملك بصفات قلما وجدت في ملك آخر عبر العصور، فهو أحد الملوك القلائل الذين زهدوا في النعيم والسلطة على مدى التاريخ الإسلامي كله، والسبب أنه لم ينشأ في بيئة ملكية، ولا تربى في قصور علمته أعراف الملوك ومراسيمهم، فيكفي أن نرى كيف يتصرف أبناء الرؤساء العرب اليوم لنعرف تأثير التربية في قصور الحكام.   بعدما انفردت ليبيا بحكم ملكي فريد، وملك كاد أن يكون قديساً بين الناس من عفافه وزهده وطيبته،[1] أعقبها حكم فوضوي لم ير العالم له مثيلاً، وحاكم لم تر الدنيا شبيهاً له، قبحاً في المظهر وسفهاً في الخلق وشذوذاً في الأطوار.  

سيدخل انقلاب ملازم سرت عمّا قريب عقده الخامس، وستنهمر المقالات والبيانات تستنكر اغتصابه للسلطة، وتنتحب على النظام الملكي ودستور 51. ولا أظن أن حنيننا إلى الملكية وأيامها الزاهرات سيجعل دماء شباب اليوم تغلي غضباً على الطغمة الحاكمة في ليبيا، وهم لم يعايشوا حتى فترة الجمهورية فضلاً عن العهد الملكي. فجل الثورات التي شهدها التاريخ اندلعت لإسقاط عروش الملوك، ولا أعرف ثورة شعبية واحدة بمفهومنا المعاصر اندلعت لإعادة تنصيب ملك أو وريث للعرش.   بعد أربعة عقود من هذا الحكم الفاشي البغيض، لا بد لنا من وقفة حساب نحاسب فيها أنفسنا، قبل أن نلقي كل اللوم على القذافي وحثالتة الفاسدة، فجزء من المسؤولية تقع على النظام الملكي، والملك إدريس نفسه، وعلى كل من انجرف مع تيار الانقلاب في أيامه الأولى، أو كان له يد في مؤازرته وتمكينه. 

كانت مجموعة سبتمبر يعلم بتحركاتها القاصي والداني في ليبيا قبل اغتصابها للسلطة،[2] ولم يتخذ مع ذلك أي إجراء بشأنها، فقد ساهم استخفاف النظام الملكي بالأمن الوطني في هذه الكارثة التي حلت بنا جميعاً.   بل إنني أذهب إلى أبعد من هذا وأقول إنه ما كان للقذافي الجبان أن يفكر مجرد التفكير في الاستيلاء على السلطة لو حوكم الضباط الذين قاموا بالعصيان العسكري في أواخر نوفمبر 1961 بتهمة الخيانة العظمى (وهذا ما طالب به الملك إدريس حقاً في بداية الأمر)،[3] ونالوا جزاءهم الحقيقي الذي يستحقون، ولكن أغلبهم نالوا أحكاماً هزيلة تتراوح بين سنة وسنتين. ولم تكد تمضي سنتان حتى أصدر الملك عفواً عن جميع الضباط الذين سجنوا في تلك الأحداث، بل لم يكد يمضي أسبوع على العصيان حتى صدر مرسوم بتعيين اللواء السنوسي لطيوش، قائد التمرد، سفيراً في الخارجية بعد إقالته من رئاسة الأركان، ثم عين وزيراً للمواصلات والأشغال العامة في التعديل الوزاري الأول لحكومة محمود المنتصر في ربيع 1964، أي بعد سنتين وخمسة أشهر فقط من محاولته الانقلابية. إذا كان هذا هو جزاء من يتمرد على الحكم، فكيف لا يغري هذا الأمر ضباطاً أقزاماً على تكرار المحاولة؟

إن وزر الكارثة سيطارد كل من ساهم في وصول القذافي للحكم بما فيهم الذين حاولوا الانقلاب عليه فيما بعد، كآدم الحواز وموسى أحمد وعمر المحيشي وغيرهم، فهؤلاء هم سبب الكارثة التي حلت بنا. ولا يزال بعض المضللين يسبغ صفات البطولة والشهادة على كثير ممن شاركوا القذافي في غدرته للشعب والوطن. ما كان لملازم نكرة مثل القذافي أن يصل حتى إلى منصب نائب ملحق عسكري في إحدى سفاراتنا الإفريقية فضلاً عن أن يتمكن من مقاليد الحكم طوال أربعة عقود بدون منازع لولا مشاركة هذه الزمرة الخائنة، وتهاون النظام الملكي واستخفافه بالأمن الوطني. 

مهما كرهنا القذافي فلا نستطيع أن نكذب على أنفسنا وعلى التاريخ، فقد خرج الشعب الليبي يهلل لانقلاب العسكر، ويبارك سقوط الملك والملكية، وكان أولهم تأييداً وتهليلاً هم أهل برقة معقل السنوسية والملكية في ليبيا، ومعقل القوات المتحركة أو على الأصح "المشلولة" التي لم تطلق رصاصة واحدة دفاعاً عن الهدف الذي أسست من أجله.    

لقد بارك بعضهم الانقلاب تحت تأثير الخمرة الناصرية، وبعضهم احتجاجاً على الفساد الذي استشرى في العهد الملكي (وإن كان قطرة من بحر الفساد اليوم)، بحيث جعل الملك نفسه، رحمه الله، يشكو منه في بيانه الشهير: "بلغ السيل الزبى". 

لقد استقبلت بنغازي عبد الناصر استقبال الفاتحين، ولا أظن أنه شهد استقبالاً مثله في أي مدينة عربية خارج بلاده مصر. كانت بطانة الملك جلها محسوبة على التيار الناصري، بما فيهم بعض كبار رجال الدولة مثل مصطفى بن حليم، وعبد الله عابد السنوسي، وإبراهيم الشلحي وأبنائه. وقد لا يعلم الجيل الجديد أن صور عبد الناصر إبان العهد الملكي كانت ترى معلقة في البيوت والمحلات والمقاهي وصالونات الحلاقة أكثر من صور الملك.  

هؤلاء أنفسهم هم الذين كانوا وراء الضغوطات لإلغاء النظام الاتحادي، فالنظام الفدرالي لا يقسم البلد، كما يعتقد كثير من البسطاء، بل يقسم السلطات، ويمنع استبداد السلطة المركزية. فقد أسهم إلغاؤه في نجاح الانقلاب، ومكن المتآمرين من التنسيق والانتقال وبسط سيطرتهم على بلاد واسعة بحجم ليبيا دون أن يواجهوا رصاصة واحدة.

والآن نذرف الدموع حسرة وندماً على الملكية بعدما ذبحناها بأيدينا. ويأتي الآن الجيل الذي أسهم في هذه الكارثة محاولاً فرض وصايته على الأجيال الجديدة التي لم يكن لها أي ذنب في وصول القذافي إلى السلطة.  

إن الحديث عن افتقاد حكم القذافي للشرعية لا معنى له، لأن جل أنظمة الحكم في العالم العربي قامت على اغتصاب الحكم بقوة السلاح، من عهد بني أمية إلى عهد بني سعود. من أراد أن يعترض على اغتصاب الحكم بقوة السلاح سأقف معه بقوة، شريطة أن يساوي بهذا المبدأ بين المغتصبين جميعاً، فلا يعطي الشرعية لمعاوية وعبد الناصر والبعث العراقي، وينزعها من النميري والقذافي والبعث السوري.   

مشكلتنا مع القذافي أكبر بكثير من اغتصابه للسلطة، فقد اغتصب كثيرون من قبله السلطة ولم يصنعوا بشعوبهم ما صنعه هذا بشعبه وبلاده، فهو حاكم خائن، بل هو الخيانة ذاتها، فالفرق كبير بين مفسد يظن نفسه مصلحاً، ومفسد يعلم علم اليقين أنه مفسد ويتعمد التخريب والدمار.  إن الإفساد في ليبيا إفساد منظم ممنهج ويتم عن سبق إصرار وتعمد، والقذافي لا يحمل مثقال ذرة من وطنية، فقد اهتم بكل شعوب الأرض إلا شعبه، وتعمد إذلاله وإفقاره وإهدار ثرواته على مدار أربعة عقود كاملة. فهو خائن، وكل من يؤازره اليوم ويسعى لبقائه خائن مثله.  

مسألة شرعي أو غير شرعي لا يجب أن تكون الهدف الرئيسي لأية معارضة ترجو أن تقنع نفسها أو تقنع الآخرين بقضيتها. المعارضة في العالم الحر تسعى لإسقاط الحزب الحاكم، أو الرئيس الحاكم، بكل الوسائل الديمقراطية منذ أول يوم يتولى فيه الحكم مفوضاً من الشعب.

من حق أي فرد أن يخرج على الحاكم وينتزع منه السلطة بالقوة مادام قد استبدّ بالحكم ومنع تداول السلطة سلمياً حتى إن كان مستنداً إلى دستور، فالدستور قد يقر أو يعدل في بيئة استبدادية، بالإضافة إلى هذا، لا يصح لدستور يقره جيل من الأجيال أن يفرض على بقية الأجيال باسم كفاح الآباء والأجداد، ولهذا تعدل مواد الدساتير في العالم كله حسب حاجة كل جيل وعصر. وقد يصاغ دستور جديد بالكامل كما حدث في إيطاليا عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، فالشعب الإيطالي لم يغفر للملكية أبداً التي كانت سبباً في وصول موسوليني للسلطة.[4] فلو حدث عام 1969 أن نصب الشعب الليبي معمر القذافي ملكاً، أو رئيساً لليبيا مدى الحياة، فهذا لا يلزم شعبنا اليوم بشيء، لأن أغلبه كان عام 1969 إما قاصراً، وإما لم يولد بعد.  لن يعيد الشعب عرشاً فرّط فيه أصحابه أنفسهم تهاوناً واستخفافاً. ومن كان يعاني من عقدة ذنب من معارضته للنظام الملكي يوماً ما، أو تأييده للانقلاب في أيامه الأولى، فعليه أن يطالب بنظام أفضل من النظامين معاً: أي أن يعمل على دفن النظام العسكري وأن يدع إحياء النظام الملكي لمن يحيي العظام وهي رميم.

[1]  يقول المرحوم عثمان الصيد في مذكراته: "في ربيع عام 1962 استدعاني الملك وابلغني أنه قرر السفر إلى الحج، وكانت الحكومة تستأجر كل عام من شركة ملاحة يونانية باخرة ضخمة تسمى ماريانا لنقل الحجاج الليبيين، فسألني عن تكاليف ثلاث غرف بالباخرة، قلت له إن الدولة ستتكفل بمصاريف الحج، لكنه رفض مشيراً إلى أنه ذاهب ليحج لنفسه وليس لليبيا لذلك لابد أن يكون كل شيء على نفقته الخاصة، وقال لي إن الخدمة التي يريدها من الحكومة لا بد أن تكون التقديرات دقيقة ولا مجاملة فيها." هل حج أحد الأمراء أو السلاطين عبر العصور على نفقته الخاصة، ودون أن يصحب معه نصف مملكته معه؟

[2]  لعل أغلبكم اطلع على تفاصيل ذلك في حلقات "انقلاب بقيادة مخبر" للدكتور محمد المقريف على الإنترنت.

[3]  يقول محمد عثمان الصيد، الذي وقعت المحاولة الانقلابية أثناء رئاسته للوزارة، في مذكراته: "اتصل بي الدكتور علي الساحلي رئيس الديوان الملكي في 22 نوفمبر 1961 وأخبرني أن الملك يطلب مني إعداد مرسوم بإقالة اللواء السنوسي لطيوش من منصبه كقائد للجيش مع بعض كبار الضباط ومحاكمتهم بتهمة الخيانة العظمى." (محطات من تاريخ ليبيا، ص 228).

[4]  كلف ملك إيطاليا موسوليني برئاسة الوزراء ولم يكن حزبه الفاشي يملك إلا 32 مقعداً من أصل 535 مقعداً في البرلمان، أي أقل من 6%.